ألف قرنفلة لضوء عينيك الذي خبا

*** 
ماتت رضوى عاشور.
وكأن هذه الأيام تنقصها قسوة!

أتذكر جلستي معها في بيتها لتساعدني -متطوعة مشكورة- في تحرير كتابي.
أتذكر بيتها الذي ترفرف اللوحات الحرة على جدرانه.. تسحبني من يدي وتشير إلى لوحة على الجدار وتقول هذه لناجي العلي.. رسمها لتميم.
أرى حنظلة في اللوحة وشمس تشرق لغد لم يجئ.

في ساحة الاستقبال بدارها طاجين مغربي مزركش.. أتحسسه مبتسمة فتقول لي إنها تعد فيه الكسكس في اجتماعات العائلة، وتقول لي إنها سوف تدعوني لتناوله معهم عندما يعود تميم.

كانت تحب الطهي.. وكانت أمي التي لم تلدني.
كان بيتها مثالاً للبيت العربي بذوقه.. بأرائكه المصنوعة من خشب الأرابيسك ورائحة القهوة العربية التي تحتضن زائريه.

أنظر إلى عود يحتل كرسيًا بساحة الدار.. فتقول إنه لتميم يعزف عليه عندما يكون هنا، وتعبر ابتسامتها المحيط لترد على سؤال لم أسأله، وتخبرني أنه الآن في أمريكا.

*** 
رحمات رحمات لدقات القلب الذي سكن.

*** 
عرفت رضوى عندما كان عمري ثمانية عشر عامًا.. اشتريت رواية "غرناطة" وذهبت بها للبيت، وعندما رأت أمي الكتاب الذي يحمل صورتها معي قالت لي هذه المرأة تشبهني.

اعتدت أن أجلس وحدي أنظر في الصورة، وأحاول أن أجد التشابه بين السيدتين اللتين كوّنتا وعيي بالعالم.

لم أجد التشابه واضحًا إلا عندما ضمتني إلى صدرها في بيتها عام 2012، أي بعد هذا اليوم بنحو أربعة عشر عامًا.

*** 
نور يؤنس طريقك إلى السماء.

*** 
أجلس أمامها فتحدثني عن الغياب.
عن غياب مريد عنها.. عن غيابها عن مصر.. عن غياب تميم عن مريد.. عن غياب تميم عنها.
أخجل من نفسي أنا التي يحيط بي أحبابي في كل لحظة وأشتكي الغربة.

*** 
تراتيل ملائكة تستقبل بهاءك.

*** 
عندما أراد الله أن يعلمني درسًا جعلني أقابلها للمرة الأولى يوم عيد ميلادي الثلاثين، ضحكت وقلت لها إن هذه أجمل هدية تلقيتها في عيد ميلادي.
وعندما سألتني عن عملي قلت لها لقد كبرت ولا أستطيع أن أتحمل عملاً بدوام منتظم؛ نظرت في عيني بجدية وقالت لي: "بصيلي.. أنا عندي 66 سنة وبخرج وبروح الجامعة وبدي محاضرات وبشرف على رسايل جامعية. لما كان عندي 30 سنة كنت بهد الدنيا وأبنيها".

واليوم رحلت رضوى.. رحلت قبل أن أخبرها أني هدمت كل ما حولي وأني أبنيه الآن من جديد.

*** 
روح وريحان للحضرة البهية.

*** 
في منزلها نجلس كقطط صغيرة تلتمس الدفء.
أنا وإيهاب عمر زوجي، وشادي عبد العزيز، وأحمد جمال سعد الدين، وسمية ربيع، وسلمى صلاح.
تستضيفنا ومريد بقلب مفتوح.
نفتح نقاشًا وراء نقاش.
لا نريد أن نرحل ولا نريد لليوم أن ينتهي.

توزع علينا لوحات منسوخة لناجي العلي ولوحات أخرى عن فلسطين والقدس، تحدثنا عن حبها للرسم وعن متحف اللوفر وعن الجرنيكا والحرب الإسبانية، تحدثنا عن أنها لا تنسى وجهًا رأته، وأنها قد تسافر من مدينة إلى مدينة فقط لتزور متحفًا أو لتشاهد لوحة جديدة.

يتفرع الحديث فتسألنا عن أهم الكتاب الجدد الذين نقرأ لهم هذه الأيام، فأجيبها بأني أحب هاروكي موراكامي، وأقول لها ربما ترين بعد كل قراءاتك أن أدبه من نوعية الـ pop art، وأنه ربما لن يضيف لك جديدًا، فتقول لي إنه على الكاتب أن يطالع كل الثقافات ولا يجب عليه أن يبني برجًا ليعيش في قمته.

أبتسم عندما يمر ببالي خاطر طفولي يدفعني لأن أرشح لها Twilight، وأحكي لها كيف قدمت ستيفاني ماير ثورة في مفهوم مصاصي الدماء.
تباغتنا دقة الساعة الحادية عشرة مساء، فندرك أنه حان وقت الرحيل.

*** 
مائة ياسمينة تنبت فوق قبرك يا غالية.

*** 
أخرج من بيتي.. أهرب من أن أبقى وحدي.
أسير في الشارع على غير هدى.
أنظر في وجوه الناس وأصرخ في داخلي "ماتت رضوى.. ماتت رضوى".
أفكر في الذهاب إلى المسجد وحضور الجنازة.. أبكي فلا تحملني قدماي وأجلس على الرصيف.
أدعو لها.. ولي.. ولأيام صعبة قادمة خالية من حضن رضوى.

***
ثلاثون نجمة تضوي على قبرك.
مائة ياسمينة تنبت لك.
روح وريحان لحضرتك البهية.
تراتيل ملائكة تستقبل بهاءك.
نور يؤنس طريقك إلى السماء.
رحمات رحمات لدقات قلبك الذي سكن.
ألف قرنفلة لضوء عينيك الذي خبا.
يا رضوى...